الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

43

نفحات الولاية

القيام به في أخرى . ومن هنا نقف على زيف المغالطة التي تتساءل إذا كانت قدرة اللَّه مطلقة إلى هذا الحد فهل يسعه أن يحصر هذا العالم في بيضة دون أن يصغر شئ من العالم أو تكبر البيضة ، فالسؤال خاطئ ، لأنّ مفهومه هل يستطيع اللَّه أن يكبر الدنيا وتكون البيضة بهذا الحجم ويكبرها لتسع الدنيا ، بعبارة أخرى كأن السؤال هل أنّ اللَّه قادر على أن يصغر الدنيا ولا يصغرها في نفس الوقت ويجعل البيضة بقدر الدنيا وفي نفس الوقت لا يجعلها كذلك ؟ ومن الطبيعي ألا يكون هناك جواباً للسؤال الخاطئ . ويبدو أنّ مثل هذا السؤال قد طرح على أمير المؤمنين عليه السلام : « هل يقدر ربّك أن يدخل الدّنيا في بيضةٍ من غير أن تصغر الدّنيا أو تكبر البيضة ؟ فقال عليه السلام : إنّ اللّه تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز والّذي ذكرت لا يكون » « 1 » وزبدة الكلام فانّ قدرة اللَّه ذاتية وغير محدودة وأزلية وأبدية ، وكل مالغيره منه ، وليس له من قدرة سوى ما يفيضها عليه . وقال في الصفة السابعة : « وكلّ سميعٍ غيره ، يصّمّ عن لطيف الْأصْوات ويصمّه كبيرها ، ويذهب عنه ما بعد منها » فالسمع لدى الإنسان إنّما يحصل عن طريق انتقال الأمواج والذبذبات بواسطة الاذن الخارجية والداخلية والصيوان وطبلة الاذان وسائر أعضائها ، ولما كانت هذه الأعضاء محدودة ، فانّ سمعه هو الآخر محدود لا يسعه التقاط كافة الأصوات ، وكما صرح بعض العلماء من ذوي الاختصاص بان الاذن لا يسعها سماع سوى الأصوات التي تترواح أطوالها الموجية بي ستة عشر إلى عشرين ألف ذبذبة في الثانية ، أي لا يسع الإنسان إدراك ما قلّ عن ست عشرة ذبذبة في الثانية ، كما لا يسعه إدراك ما تجاوز العشرين الف ذبذبة في الثانية . طبعاً هذه الذبذبات ليست واحدة لدى جميع الكائنات ، فهناك بعض الحيوانات التي لها سمع يفوق نيره لدى الإنسان ، فهي تسمع حتى الأصوات ذات الأطوال الموجية الأقصر ، مع ذلك لا يسعها سماع جميع الأصوات . أضف إلى ما تقدم فانّ الأطوال الموجبة إذا بلغت حدا فانّها قد تشق غشاء الاذان وتقضي على حس السمع لديه ،

--> ( 1 ) بحارالانوار ، 4 / 143 ح 10 ، وورد مثل هذا المعنى عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي ، 1 / 79 ح 4 ، كما جاءفي بحارالانوار أنّ الشيطان سأل المسيح عيسى عليه السلام هذا الجواب فأجابه بهذا السؤال ( بحارالانوار ، 14 / 271 ح 3 ) .